لماذا تراجعت أسعار الأخطبوط بالجنوب بهذه السرعة؟ قراءة في العوامل المؤثرة على سوق الرخويات
الداخلة نيوز:
انطلق الموسم الصيفي لصيد الأخطبوط وسط مؤشرات إيجابية رفعت سقف تفاؤل المهنيين، بعدما سجلت أسعار اليوم الأول مستويات مشجعة بلغت حوالي 115 درهماً للكيلوغرام، غير أن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً، إذ بدأت الأسعار تتراجع بشكل متسارع مع توالي أيام الموسم، لتصل في بعض أسواق السمك إلى حدود 79 درهماً للكيلوغرام، وسط توقعات باستمرار المنحى التنازلي خلال الأيام المقبلة.
هذا الانخفاض المفاجئ شكل صدمة للبحارة، خاصة وأن الموسم الحالي انطلق بحصة فردية محدودة لا تتجاوز 885 كيلوغراماً للقارب، وهو ما جعل الكثير منهم يعول على تحقيق عائد مالي مرتفع يعوض محدودية الكميات المسموح بصيدها.
ومنذ الأيام الأولى، فضلت غالبية قوارب الصيد التقليدي القيام برحلات “البياخي” لجلب أكبر كمية ممكنة إلى أسواق السمك، في خطوة عكست التزاماً ملحوظاً بالمسار القانوني لتسويق المصطادات، بعيداً عن أي تصريف خارج القنوات الرسمية، أملاً في أن يشكل هذا الانضباط حافزاً لدى كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري للنظر مستقبلاً في إمكانية منح حصة إضافية إذا سمحت المؤشرات العلمية بذلك.
هل يبرر العرض الحالي هذا التراجع؟
أول العوامل التي تفسر هذا التراجع يتمثل في الارتفاع الكبير للكميات الوافدة على أسواق السمك خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما أدى إلى اختلال مؤقت بين العرض والطلب، لتدخل الأسعار في منحى تنازلي طبيعي وفق آليات السوق، ورغم أن الكميات الوافدة إلى أسواق السمك ارتفعت مقارنة بالأيام الأولى للموسم، إلا أنه لا يمكن الجزم بوجود وفرة كبيرة في العرض، إذ يرى عدد من المهنيين أن حجم المفرغات لا يزال في حدود المعقول ولا يبرر وحده هذا التراجع الحاد في الأسعار، وهو ما يفتح الباب أمام فرضيات أخرى، من بينها عوامل تنظيمية وتجارية مرتبطة بآليات الشراء والتمويل، إلى جانب تأثيرات الأسواق الخارجية.
توجه المصانع نحو الأحجام الصغيرة
وتشير معطيات متداولة وسط المهنيين إلى أن عدداً من وحدات التجميد المتخصصة في الرخويات وجهت تجارها إلى التركيز على شراء الأخطبوط صغير الحجم، وهو ما يعكس، على الأرجح، توجه المنتوج نحو السوق اليابانية، التي تفضل هذا الصنف وتبحث عادة عن منتجات ذات أسعار تنافسية مقارنة بالأسواق الأوروبية.
قيود مالية أثرت على المنافسة
من بين العوامل التي يرى مهنيون أنها أثرت في السوق، القرار الذي يقضي بعدم السماح لتجار السمك بالجملة بالشراء إلا بعد التحصيل الفعلي لقيمة الشيك بالحساب البنكي للمكتب، أو الإدلاء بشيك مصادق عليه.
ورغم أن هذا الإجراء يهدف إلى تعزيز الشفافية وضمان حقوق مختلف المتدخلين، إلا أن عدداً من التجار وجدوا أنفسهم أمام إشكال نقص السيولة، ما قلص عدد المتنافسين داخل الدلالة، وأضعف حدة المنافسة على شراء الأخطبوط، وهو ما قد يكون ساهم في تسجيل أسعار أقل من المتوقع في بعض الأسواق.
معطيات خارجية لا يمكن تجاهلها
العوامل الخارجية بدورها تبدو حاضرة بقوة في تفسير وضعية السوق، فالسوق الأوروبية، التي تعتبر من أهم وجهات تصدير الأخطبوط المغربي، تشهد هذا العام ظروفاً استثنائية، بعدما سجل الصيادون في المياه البريطانية اصطياد أكثر من 1200 طن من الأخطبوط خلال الموسم الحالي، وهو رقم يفوق بكثير معدلات السنوات السابقة، ومن شأن ارتفاع العرض داخل أوروبا أن يخفف الطلب على الواردات، وبالتالي ينعكس على الأسعار الدولية.
كما تترقب الأسواق خلال منتصف الشهر الجاري انطلاق موسم صيد الأخطبوط والحبار في موريتانيا، حيث تشير المعطيات العلمية إلى وفرة مهمة في المصايد الموريتانية. وإذا تأكدت هذه الوفرة، فإن دخول كميات جديدة إلى الأسواق الدولية قد يزيد من الضغط على الأسعار، خاصة في الأسواق التي تستقبل الإنتاج المغربي والموريتاني معاً.
هل يستمر التراجع؟
من السابق لأوانه الجزم بمسار الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، إذ يبقى ذلك رهيناً بعدة متغيرات، أبرزها حجم المفرغات اليومية، والطلب الخارجي، وقدرة وحدات التجميد على استيعاب الكميات، إضافة إلى تطورات الأسواق الدولية.
لكن المؤكد أن ما يعيشه سوق الأخطبوط اليوم ليس نتيجة عامل واحد، بل هو حصيلة تداخل عوامل تنظيمية وتجارية وبيئية ودولية، اجتمعت في توقيت واحد لتدفع الأسعار نحو التراجع.
ويبقى الرهان الحقيقي هو إيجاد توازن يحافظ على مصالح البحارة، ويضمن في الوقت نفسه استقرار السوق واستدامة استغلال هذا المورد البحري ذي القيمة الاقتصادية العالية.

