الداخلة نيوز: طارق توا
استيقظت منذ بضع ساعات من الغيبوبة التي تلي نهاية الحراسة، لأرى هذا المقطع يظهر فيه حارس أمن يحاول منع رجل من الدخول إلى قاعة العلاجات. لا أعلم شيئا عن حيثياته، فلا أدري هل هو مشكل لرواد مستشفانا الغالي فيما بينهم أم مشكل لهم مع أحد الموظفين.
كنت وعدت أن أكتب مقالا عن هذا في تعليق لمقال “تكايس على حمارك تحج عليه”. لكن ما جرى اليوم (ليس الفيديو) له طابع استعجالي.
اليوم توقف حراس الأمن وعاملات النظافة عن العمل بعد مرور ثلاثة أشهر دون استلام رواتبهم. توقف اليوم عن العمل أشخاص يعتبرون بأهمية الطبيب والممرض وما لذلك من تداعيات خطيرة على صحة المرضى.
ترتبط نتائج العلاج بكل مرحلة يمر بها المريض تبدء من ساعة الحادثة إلى حين شفائه، تبدء من متلقي الإتصال الإستعجالي إلى من يقوم بالترويض الطبي، هذا ما يسمى بسلسلة العلاج ( la chaîne de soin) لا يمثل الطبيب إلا حلقة بين أخريات. كلما زادت صلابة حلقاتها، كلما زادت حظوظ إنقاذ المريض. سأتكلم اليوم عن هاتين الحلقتين المهمتين:
– حراس الأمن: واقي صدمات المستشفى، ينهال الجميع عليهم “نتا غير سيكيريتي؛ كنوحلو معاك وما كانوحلوش مع الطبيب”. لا ذنب لهم إلا أنهم يطبقون ما يؤمرون، بدونهم يصبح المستشفى سوقا يتزايد فيه الناس بآلامهم ( الله يحسن العون). هذا المناخ يفقد المعالجين تركيزهم ويهدر طاقتهم مما يسبب الأخطاء والهفوات. يكفي مثلا أن يذهب أيوب (أحد حراس مركز التشخيص، والمشهود له بالإنضباط وحب عمله) في إجازة حتى تبدأ الفوضى، أمازحه وأطلب منه أن يأخذ إجازته في نفس وقت إجازتي. هو مثَل بين أُخر أحبوا عملهم فأتقنوه. ذلك الإتقان يأتي بعد دراسة يتلقى دروسها في خضم عمله، دقات مطرقة تصقله ليمتص غضب مواطنين ومواطنات يئسوا من المستشفيات، يصبون غضبهم على أول موظف يعترض طريقهم. أغلب هؤلاء الحراس شباب أبى إلا أن يأكل لقمة من عرق جبينه فبات جائعا.
-عاملات النظافة: إن كان غياب عمال النظافة في المدينة يوما واحدا يسبب كارثة، فما بالك بالمستشفى، عندنا الساعة بيوم. عددهن قليل، نساء طاعنات في السن أغلبهن تطعمن عائلات. الماكينة لقديمة، فشابات اليوم لا تقدرن على هذا العمل الجبار، لن تصبرن على هذا الهوان بذلك الثمن الهزيل. سأذكر الحاجة المراكشية، عاملة نظافة المركب الجراحي، أحببت تقبيل رأسها، فهي “لانسيانا ديالي فالمستشفى، تحشم تهز فيها العين”. بمجرد انتهاء العملية حتى “دير ليك تسييقة ديال لغدايد، تحسبها تستعد لضيف عزيز لم تره منذ أزل”. نساء تشتغلن في الدم والقيح… نساء تعملن بأقل الإمكانيات للحفاظ على نظافة مستشفى تلزمه ترسانة حربية، “كيشطحوا بمعنى الكلمة باش يبان ليكم المستشفى موسخ شوية، ماشي بزاف”.
وعدت نفسي أني لن أدافع عن شخص لم يدافع عن نفسه، فقد علمتني الحياة دروسا دفعت ثمنها صحتي الجسدية والنفسية. “اللي بغا الذل الله يعطيه ليه”. لكن في هاته الحالة لا أجد بدا من ذلك، فهؤلاء هم المغلوبون على أمرهم. هاته الطبقة العاملة التي تعمل لمرتب بين 1600 و 2000 درهم للشهر، بدون حماية إجتماعية وبدون أدنى الحقوق، “اش دير ليك فالشهر، فما بالك بثلاثة أشهر”. كلما طالب أحدهم بحق كان جوابه “سميتك مكتوبة بقلم الرصاص نمحيها وندير فبلاصتها سمية أخرى” “عجبك الحال هو هذاك، ما عجبكش الباب”. أشخاص يعتبرهم بعضهم خدما، نهار كامل يجريو بيهم، استعملوا كصباغين وحمالين وووو… وبعض الأحيان كرة تُضرب لا لشئ إلا للتنفيس عن غضب.
من هذا المنبر أقول لكل من رضي لهاته الفئة بالظلم والهوان، أكان مسؤولا أو عاملا في المستشفى أو مواطنا… أن لا يلوم إلا نفسه، فمن تعرض لإعتداء فلا يلومن إلا نفسه. من دخل المستشفى ليجد رائحة تزكم الأنف فلا يلومن إلا نفسه. إن غادر طبيب لوجود الفوضى فلا تلومن إلا أنفسكم. من عانى من تعفنات فلا يلومن إلا نفسه. ومن ومن ومن…… فلا تلومن إلا أنفسكم.
نسيت ذكر فئة ثالثة، من جنود الخفاء الذين يعانون أيضا من عدم صرف مستحقاتهم وتوقفوا عن العمل، والذين لا يراهم المواطنون. حاملوا النقالات (brancardier).
لندرتهم لا يعملون إلا الدوام العادي وأغلب المرضى يقوم أهلهم بدفع ناقلاتهم. لكن هم من يقومون بنقل المرضى بين المصالح والمركبين الجراحيين ومصلحة الأشعة. شبان رفاع، نحل متنقل بين المصالح ينتجون عسلا عذبا يداوي المرضى.
إن القلب ليعتصر عندما اتذكر وجوههم تتكظر ألما للظلم الذي حل بهم، نساءا ورجالا، للمغرب أن يفخر بوجود أناس من طينتهم رغم أنه لا يعطيهم حقهم.
الظلم ظلمات يوم القيامة
اللهم إنا مغلوبون فانتصر.

