الداخلة نيــوز:
ليست زيارة قطاعية عادية، وليست جولة تفقدية لمشاكل مهنيي الصيد البحري. ما جرى في الداخلة خلال الأيام الماضية، حسب معطيات متطابقة، هو مهمة سياسية خاصة، جاءت زكية الدريوش لأجلها من الرباط بهدف واحد واضح ومباشر: امبارك حمية يجب أن لا يصعد إلى البرلمان مهما كلف الأمر.
شعار رُفع في الكواليس، وسُخرت له كل الوسائل، ومورست من أجله كل أنواع الضغوط. إدارة بكامل إمكانياتها، وُضعت في خدمة هدف انتخابي صرف، في محاولة شنيعة لاستغلال وسائل الإدارة للضغط على المهنيين وتوجيههم، وتحويل إدارة الصيد البحري من مرفق إداري يفترض فيه الحياد وخدمة القطاع، إلى أداة ضغط سياسي.
في لقائها بمهنيي القطاع، مررت زكية الدريوش رسائل بشكل واضح ومباشر، خلاصتها أنها كانت تملك صورة مغلوطة عن وضعية القطاع، وأنها اليوم وبعد 20 سنة، استيقظت من سباتها العميق وعرفت الحقيقة.
هنا بالضبط يبدأ كشف الكذب وينتهي الخطاب الشعبوي. عندما تقول مسؤولة بوزن كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري إنها عاشت 20 سنة بصورة مغلوطة، فالأسئلة التي تطرح نفسها تلقائيا هي أسئلة مشروعة وخطيرة:
من الذي أعطاها تلك الصورة المغلوطة؟ وكيف؟ وماذا قيل لها طيلة عقدين؟ وما هي “الحقيقة” التي اكتشفتها فجأة الآن، وبالتزامن مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية؟
والسؤال الأخطر والأكثر إحراجا للمؤسسة: لماذا وجدت مندوبية الصيد البحري بالداخلة؟ أليست هي العين التي ترى والأذن التي تسمع واللسان الذي يفترض أن ينقل الحقيقة للمركز؟ لماذا لم تصحح لها الصورة طيلة 20 سنة؟ أم أن الصورة كانت صحيحة، وما تغير هو الموقف السياسي وليس المعطى المهني؟
إنه باختصار “الضحك على الذقون” بلغة المهنيين أنفسهم.
المؤسف في المشهد، ليس فقط استغلال الإدارة، بل هذا الانقلاب الأخلاقي السريع في تقييم الأشخاص.
امبارك حمية، بالأمس القريب، كان نموذجا للمهني والسياسي الطيب والمثالي والوطني، عندما كان داخل أسوار حزب التجمع الوطني للأحرار. كان يُستقبل ويُحتفى به، وكانت أبواب الإدارة مفتوحة أمامه.
اليوم، وبمجرد التحاقه بحزب الاستقلال وإعلانه الترشح للبرلمان، أصبح بقدرة قادر عكس كل ذلك. أصبح هو المشكل، وهو سبب أزمة القطاع، وهو من يجب محاربته بكل الوسائل.
ما الذي تغير؟ هل تغير الرجل أم تغير موقعه السياسي؟
الجواب واضح: ما تغير هو الخوف من صندوق الاقتراع. حمية بثقله المهني وقاعدته الانتخابية الواسعة في قطاع الصيد، أصبح رقما انتخابيا يربك حسابات حزب الإدارة في الداخلة. ولذلك كان لا بد من تفعيل الخطة “ب”: تشويهه مهنيا لضربه سياسيا. هذا هو حال السياسة اليوم، حيث تحولت الإدارة من حكم إلى خصم، ومن وسيط محايد إلى طرف في المعركة الانتخابية. وحيث يتم استقدام مسؤولين من الرباط ليس لحل مشاكل البحارة، بل لحل مشاكل مرشحي الحزب المعلوم.
ما يقع في الداخلة اليوم ليس دفاعا عن القطاع، بل هو دفاع عن مقعد برلماني، واستخدام فج ومكشوف لنفوذ الدولة ضد إرادة المهنيين.
ومن مفارقات المشهد أن الحزب الذي يقود وزارة الصيد البحري اليوم، هو نفسه الحزب الذي يحتكر تدبير القطاع منذ أكثر من 15 سنة. وهي سنوات كافية للحكم على حصيلة لا تحتاج إلى كثير عناء.
ماذا كانت النتيجة؟ من استنزاف خطير للثروة السمكية إلى فضيحة الأميال البحرية التي حولت سواحل الداخلة إلى مصيدة مفتوحة، إلى تهميش ممنهج لقطاع الصيد التقليدي الذي يمثل العمود الفقري للسلم الاجتماعي في الجهة.
الصيد التقليدي، الذي يشغل آلاف الأسر، تم إقصاؤه من كل المخططات الكبرى. لا دعم حقيقي، لا موانئ تليق بكرامته، لا تسويق يحميه من سماسرة السوق السوداء، بينما فُتحت كل الامتيازات لأساطيل الصيد في أعالي البحار والمصالح المرتبطة بها.
فكيف لمن فشل في حماية الثروة، وفشل في تدبير الأميال، وفشل في إنصاف الصيد التقليدي، أن يأتي اليوم ليعطي الدروس للمهنيين حول “الحقيقة” و “الصورة المغلوطة”؟
الحقيقة التي استيقظت منها كاتبة الدولة بعد 20 سنة، هي في الواقع حصيلة حزبها في تدبير القطاع. فبدل محاسبة الذات وتقييم الفشل، تم اختيار أسهل طريق: البحث عن شماعة، وكان اسمها هذه المرة امبارك حمية، لأنه فقط قرر أن يترشح خارج عباءة الحزب المعلوم.
من يملك حصيلة فاشلة في القطاع، لا يمكنه أن يتحول بين عشية وضحاها إلى مصلح.


