الداخلة نيوز: يوسف قرقاب
إختلفت آراء المتتبعين للشأن السياسي الوطني حول واقعة “التراشق بالصحون” خلال حفل عشاء على هامش المؤتمر الوطني لحزب الإستقلال بالرباط، واقعة لم تمر مرور الكرام، فقد أسالت ولازالت تسيل الكثير من الحبر، فمن المتتبعين من شاهد المقطع المثير بسخرية شديدة وصلت حد مشاركته على مواقع التواصل الإجتماعي تحت تعليقات ساخرة، ومنهم من لم يكثرث، نظرا للصورة السلبية التي أخذها عن الممارسة السياسية ببلادنا، ومنهم من وصل به الإنفعال حدود الغضب، فإغتنمها فرصة لصب جام غضبه على من تراشقوا بالصحون أولا، والمؤطرين داخل الأحزاب السياسية ثانيا، أما الفئة العريضة من المتتبعين، فقد تأسفت على ما آلت إليه أوضاع مؤسسات التأطير السياسي ببلادنا، خصوصا وأن الصورة لم تصدر عن حزب عادي، بل هو الحزب العتيد والعريق، الذي كون أطر دولة، وكان له الحضور البارز في أكبر المحطات التاريخية الوطنية منذ الإستقلال.
صورة التراشق بالصحون تلك، بغض النظر عن أسبابها وأصحابها، وإن إختلفت الآراء حولها، إلا أنها تعبير حي عن واقع الممارسة السياسية ببلادنا خلال هذه المرحلة التاريخية العصيبة، تماما كصورة ممثلي الشعب وهم نيام تحت قبة البرلمان، وكصورة الوزراء وهم يسبحون في عالم الأنترنت خلال جلسات المجالس المباشرة على شاشة التلفزيون، وكصورة العائلات التي يجلس أفرادها جنبا إلى جنب تحت نفس القبة، وكصورة الكرم “الباذخ” للمرشحين خلال الحملات الإنتخابية، صور تجعل المواطن البسيط يطرح تساؤلات بأجوبة مبهمة، تدخله دوامة التيه، فلا يعرف أي الأحزاب ولا أي السياسيين أكثر “مصداقية”، فالمصداقية شعار ترفعه كل الأحزاب التي تتناسل بإستمرار، حتى إنطبقت عليها مقولة “حزب لكل مواطن”، لكن المصداقية “شعار فقط”.
يجرنا هذا الواقع إلى البحث عن أسباب المظاهر السلبية في ساحتنا السياسية والحلول الممكنة لها، فالسبب الأكبر على ما يبدو، هو أن الأحزاب السياسية الوطنية لم تعد كالسابق، فقديما وليس قديما جدا، كانت الأحزاب السياسية واضحة التوجهات والمعتقدات الإيديولوجية، المحافظ كان محافظا، الإشتراكي كان إشتراكيا، الحداثي كان حداثيا إلخ..، أما اليوم ، ومع ظهور أحزاب “هجينة”، فقد إختلط الحابل بالنابل على المواطن البسيط، الذي يجد نفسه أمام نفس البرنامج ونفس الأهداف لكل الأحزاب، بإختلاف ولاءاتها الإيديولوجية، وقديما وليس قديما جدا، كانت الأحزاب السياسية “مدارس”، تخضع منخرطيها لبرامج “التدرج النضالي”، الذي كان يبدأ من المرحلة التلاميذية ويستمر خلال المرحلة الجامعية، بهدف تأطير الشباب وتلقينهم أسس العمل السياسي، ليصبحوا بدورهم مؤطرين لاحقا، وهو ما كان يجذب الطلبة إلى الإنخراط في الأحزاب، عكس اليوم حيث يلاحظ العزوف الكبير للشباب عن العمل السياسي، وأكبر أسباب هذا العزوف هي الصور السلبية التي يراها شبابنا في عالم السياسة وأبرزها “سلطة المال”.
وكي نستطيع إقناع شبابنا بولوج عوالم الفعل السياسي، يجب أن نطرح حلولا تخرجنا من المأزق الحالي، الذي صارت فيه السياسة ببلادنا مرادفا لل”كوميديا”، وأصبحت أقوال السياسيين وصراعاتهم الضيقة مصدر نكتة للمواطن العادي، وأبرز الحلول الممكنة تبدأ بالحوار، فقد صرنا اليوم بحاجة إلى طرح واقع الممارسة السياسية على طاولة الحوار أكثر من أي وقت مضى، حوار يشارك فيه الجميع دون إقصاء، أحزاب سياسية، مؤسسات دولة، معاهد وجامعات وطنية، منظمات مدنية والمواطن المغربي العادي اللامنتمي لأي جهة الذي يكثر الحديث حول مصالحه خلال الحملات الإنتخابية، كل يدلو بدوله، فلكل طرف من هؤلاء الأطراف تصوره الخاص حول كيفية الرقي بالعمل السياسي في وطننا، لنخلص في الأخير إلى ديباجة مجتمعية تحدد أهداف وأساليب إشتغال متفق بشأنها داخل الأحزاب السياسية، التي أصبحت تنعت ب”الدكاكين السياسية”.
حل آخر يجب أن نوليه أكثر مما يستحق من العناية، هو التأطير السليم لمنخرطي الأحزاب عموما، وفئة الشباب خصوصا، فالأحزاب السياسية يتعين علها أن تكون مشتلا لقادة المستقبل، من ستسند إليهم مهمة إدارة مصالح المواطنين، لذا عليهم أن يتلقوا تكوينا سياسيا قويما يراعي جسامة المهام المستقبلية، كما يجب عليها أن تفتح صفحة جديدة مع المواطن البسيط، الذي يفقد الثقة في السياسيين شيئا فشيئا، وألا يظل حضورها مقترنا بالإستحقاقات الإنتخابية.



