الداخلة نيوز: أحمد بابا بوسيف
منذ الموقف الأمريكي الذي اعتبر مفاجئاً، بالدفع باقتراح توسيع صﻻحيات المنورسو (بعثة الأمم المتحدة بالصحراء الغربية) وما تلاه من خطاب الملك في البرلمان الأكثر صراحة وتحميل المسؤولية للجميع، سال الكثير من الحبر حول مكامن الخلل في الدبلوماسية المغربية ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟، وهل يجب الإنتقال إلى دبلوماسية هجومية بدل الإكتفاء بدبلوماسية إطفاء الحرائق…؟ وما دور الدبلوماسية الموازية في ذلك من برلمان ومجتمع مدني…؟
إن الواقع الدولي الآن تحكمه المدرسة الواقعية بامتياز، والدول تبحث عن مصالحها فقط أين ما كانت، ورغم ما نسمعه كل يوم على منابر الأمم المتحدة والمؤتمرات الدولية (آخرها خطب رؤساء الدول في مؤتمر الجمعية العامة السنوي)، من خطاب مدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية ونشرها على مستوى المعمورة ، والتعاون من أجل نشر السلام بما فيه مصلحة للبشرية جمعاء والبحث الدائم المستمر عن التنمية المستدامة، رغم كل هذا إلى أن الدول وخاصة العظمى منها تبحث عن مصالحها فقط أين ما كانت ومع من كان ، وتضغط بهذا الخطاب من أجل الضغط وابتزاز الدول النامية والفقيرة لتفرض عليها ما تريد.
مرت الدبلوماسية المغربية في قضية الصحراء وهي في الحقيقية لب السياسة الخارجية المغربية وركيزتها الأساسية، بمراحل عدة ومستويات مختلفة كان أهمها قبول بمبدأ تقرير المصير ووقف إطلاق النار سنة 1991 ثم ما تلى ذلك من مسلسل السلام الذي كان يتعثر دائما برفض أحد الأطراف، التحول التالي سيكون في طرح المغرب لمبادرة خاصة ﻷول مرة، تمثلت في مقترح الحكم الذتي، الذي قوبل برفض جبهة البوليساريو، ثم ما تلى ذلك من المفاوضات المباشرة في منهاست بنيويورك التي جمعت الأطراف ﻷول مرة بإشراف اممي.
الملاحظ أنه في هذه الفترة كان المغرب معتمداً بشكل أساسي على أن الأمم المتحدة كانت تبحث عن حل متوافق عليه ووفق موازين قوى ما بعد وقف إطلاق النار ، دون فرض حل على أي طرف ، بالإضافة إلى الحليف التاريخي للمغرب والعضو الدائم بمجلس الأمن كان دائماً في الخدمة، حيث كان يسهر على أن تكون التوافقات داخل مجلس الأمن دائماً تحفظ المصالح المغربية.
في سنة 2005 سيحدث تغيير جذري في قواعد اللعبة إن صح التعبير حيث سيدخل فاعل جديد إلى قضية الصجراء هو “حقوق الإنسان” وستبدأ معركة تحصيل النقاط فيها، الدبلوماسية المغربية كانت المتضرر الأكبر من هذا الفاعل، حيث لم تعد المعركة على الحدود بل أصبحت داخل مدن الصحراء.
عند الحديث عن الدبلوماسية الموازية ودور الأحزاب والمجتمع المدني ، فهذا رغم كل ما يقال وقيل عن أن المغرب لا يستغله جيداً، فأنا بالنسبة لي لا أرى له فائدة إلى إذا كان الدور الريادي فيه و الأكبر للمجتمع المدني الصحراوي، وأنا هنا لا أقصد الحملات الموسمية للإستجمام التي تقوم بها وزارة الخارجية لبعض الأشخاص الذين يحملون رايات مغربية ولباس صحراوي ليتظاهروا في دولة اوروبية أو خطب يلقونها مكتوبة من قبل ضباط المخابرات الخارجية بل أتحدث عن مجتمع مدني واعي مقتنع بما يقول وهنا مكمن الخلل…!!؟؟.
لقد قال الملك الحسن الثاني كلمات ثمينة إبان دخول المغرب الصحراء الغربية “لقد فزنا بالحرب ولكننا لم نفز بقلوب الصحراويين” ، إن المعركة الحقيقية سواء اقتنع بها البعض أو لم يقتنع هي قلوب الصحراويين، من يفوز بها يحوز البقاء في هذه الأرض ، ولن يحتاج حينها ان يدافع عن بقاءه لدى أي مجتمع دولي ، وحتى لو احتاج ستكون قلوب الصحراويين وأصواتهم جاهزة للدفاع عنه في المحافل الدولية لتدافع عن من يعطيها قيمة، عن من يحسسها أنها سيدت قرارها في أرضها وعلى أنها غير مهددة ﻷن تفقد رزقها أو حتى حياتها ﻷنها عبرت عن رأيها، لمن نمى أرضها وثقف إنسانها، لمن بنا المستشفيات والجامعات والملاعب ودور السينما والمتاحف لمن راهن على الإنسان الصحراوي وبقاءه لا على تدجينه وفناءه.
لذلك فمهما تلونت وتغيرت وحاولت دبلوماسيتك التأقلم مع المتغيرات الدولية ومهما حاولت الدفاع عن موقفك بكل الوسائل فإنك ستجد نفسك دائما عند نقطة البداية بل وستجد نفسك تقدم تنازلات لم تكن تتخيل انك ستقدمها، وعندما تحاول التراجع عنها إذا بك مجبر على تقديم تنازلات اكثر، ﻷنك تراهن على أوضاع دولية ونحن نعرف أن علم العلاقات الدولية هو أكثر العلوم تجددا، فالتغيرات يومية وفي كل دقيقة وثانية تتغير الموازين، ومن يدري قد تجد نفسك في يوم من الأيام في ظروف دولية لم تكن تتوقعها وأوضاع إقليمية مواتية تفرض عليك القبول بحلول كانت من المحرمات عندك.
فالرهان هو على الإنسان ومن يخسره لا شك سيخسر الأرض ولو بعد حين.


