العمل الحقوقي بالصحراء. وتغليب التسييس على الأنسنة

الداخلة نيوز:


لم يستطع العمل الحقوقي بالصحراء على مدى سنوات طوال أن يخرج من التخندق السياسي والتقوقع وراء طرفي النزاع جبهة البوليساريو والمغرب، رغم أن واقع حقوق الإنسان المتردي بتندوف والمخيمات يشهد إنتهاكات خطيرة تتجاوز أحيانا ماهو سياسي لتشمل الحقوق المدنية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، دون أن تجد هذه الإنتهاكات مكانها في الرصد والمتابعة والتقرير عنها دون تمييعها بغلاف سياسي يخدم أطروحة أحد الطرفين أممياً، كما أن ندرة الدعم والتوجيه وقلة المختصين في رصد تلك الإنتهاكات والتقرير عنها بإحترافية ساهم في تجزئة الحقوق وإبراز كل طرف ما يخدم ميولاته السياسية وأهدافه المدفوع نحوها سواء من المغرب أو الجبهة، لتفتقد النخب الحقوقية بالصحراء لمبدأ الحياد التام ومعالجة القضايا الحقوقية من زاوية إنسانية صرفة لا تنظر بمقلة ماهو سياسي بقدر ما تدافع عن الإنسان الصحراوي وقضاياه التي تكفل له مزيدا من الحريات والعيش الكريم.

 كما يلاحظ سقوط الفاعل الحقوقي بالصحراء ضحية تهجين الهوية وتكريسها لخدمة أجندات سياسية دون أدنى مراعاة لهذا الرافد الثقافي الذي تجب حمايته وتحصينه من كافة أدوات الإستغلال السياسي غير المشروعة، بل الأخطر من ذلك أنه بات يسير في ركب التنمية دون الشعور بضرورة تعميق الوعي بعلاقة الثقافي والتنموي، وهو ما جعل الهوية والإنسان بالصحراء كبش فداء للتجاذبات السياسية التي جعلت منه تجارة رابحة في المحافل الدولية لكسب نقاط مهمة في هذا الملف الشائك، كما باتت الهوية الصحراوية لغتا وموروثا ثقافيا رقماً أخيرا في المناطق الصحراوية لإقتصار دورها على الجانب الدعائي للقضية السياسية دون صيانتها من محاولات الطمس وعوامل التعرية السياسية التي تفرضها خصوصيات المنطقة بعد التحول الديمغرافي الذي شابها عقب حرب الصحراء المدمرة.

إضافة لذلك فقد تم تقزيم الوعي بالحقوق والحريات داخل هذا التجاذب المدفوع الثمن بين أنصار الطرح الجبهاوي والطرح المغربي داخل الصحراء. فلم نجد الى اليوم نقاشاً معمقاً ووعيا حقيقيا من النخب الصحراوية بقضايا الحقوق المرتبطة بالأرض و التنمية الإقتصادية و الإجتماعية ووضعية “الدين في الحياة السياسية” و “قضية المرأة” و”علمنة المجتمع والمدنية” و “طبيعة النظام السياسي” و”حرية تأسيس الأحزاب” و”التقسيم العادل للثروات” و”محاربة الإرهاب والتطرف الفكري والديني” و “نموذج الجهوية الموسعة المنشود”. وهي قضايا لازالت لم تجد مكانها الى اليوم في ظل هيمنة الطرح السياسي والحقوق المرتبطة به. علاوة على أنه لم يسبق لأحد أن واكب مدى أحترام الدولة الجزائرية لحقوق اللاجئين الصحراويين والمتجنسين بجنسيتها المحرومين من حق التملك. ما يدفعنا للإقرار بنذرة الرصد والمتابعة للقضايا والحقوق المرتبطة بالإنسان الصحراوي كلاجئ وكجالية في باقي دول العالم.

كما أننا لم نلمس الى اليوم مجهودا حقوقيا فاعلا في مجال إصدار المنشورات والكتب الثقافية وتنظيم الندوات واللقاءات التعريفية بالهوية الحسانية للمنطقة وبالموروث الثقافي المتنوع داخلها، وأقتصرت جل التحركات الحقوقية خاصة من أنصار الطرح الجبهاوي على التظاهر وسط الشارع العام وتنظيم الوقفات ومحاولة اللجوء الى العنف كوسيلة لتحقيق الغايات السياسية وكسب نقاط في ملف الصحراء.

 وأمام هذا الوضع فإنه بات لزاماً تكوين إطار جمعوي بخبراء دوليين يعمل على تأطير النخب والفاعلين الجمعويين بعيدا عن أي مقاربة سياسية أو تموقع سياسي مع أحد طرفي النزاع بما يخدم الهوية والتراث واللغة الحسانية بالصحراء، كما يتتبع  حياة الإنسان بالصحراء وبالمخيمات في أماكن وكذا وضعيته الحقوقية في كافة مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وذلك في إطار توجيه الرأي العام الجهوي بالصحراء وكذا توعية الصحراويين بثقافة السلم والتسامح ونبذ العنف وبتغليب مؤشرات الكرامة والعيش الكريم على ثقافة الحقد والفرزيات ونبذ ثقافة العطاء مقابل الولاء. كما سيفرض على جميع الأطراف إعطاء الأولوية لأنسنة المشكل السياسي وجعل الإنسان بالصحراء غاية وليس وسيلة لكسب الأرض.

شاهد أيضا