الحكم الذاتي كفيل بتقرير المصير.. بقلم: ابراهيم اعمار

الداخلة نيوز: ابراهيم اعمار

إن تناول قضية من حجم الصراع الدائر حول الصحراء يقتضي اليوم أكثر من أي وقت مضى “وضعها في اطارها الشمولي”، وذلك باستحضار الوضع السياسي العالمي العام، وما تعرفه الدول العظمى من تكتلات وتقاطبات، وبأستحضار التحديات الاقتصادية التي تهدد دول جنوب المتوسط برمتها في ظل التنافس القطبي الذي بات يزحف بشكل مخيف.

ولقد بات هذا المعطى يفرض بشكل ملح وعاجل -استقرار الوضع بافريقيا جنوب الصحراء، خاصة بتفاقم وضع اللاتحكم في شريطها الحدودي الشمالي، الذي أضحى مسرحا لأحداث إرهابية تتغذي من واقع الصراع الدائر بالمنطقة ومن التطورات السياسية التي تعرفها البلدان المحيطة بهذا الشريط.

وإننا، ومن هذا المنطق، ومن منطق التحليل الموضوعي والملموس للوضع العام الذي تعيشه شعوب الدول المجاورة لبؤرة الصراع، ومن منطق التحليل التاريخي المتأني لتواتر الأحداث والافكار بالصحراء وحولها، نرى أن نحدد بعض المعطيات الواقعية التي تأسست عليها قناعتنا الراسخة بمشروع الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب كحل امثل ونهائي لأستقرار المنطقة، قبل ان نعرض لفكرتنا المساهمة ليس فقط للدفاع عن المشروع كمشروع مغربي، ولكن الرامية الى تحرير طاقات كافة اخواتنا وإخواننا من افراد المجتمع الصحراوي للإسهام في تعزيز بناء مجتمعهم ديمقراطيا وحداثيا.
وفي هذا الإطار من التناول، وهذا المستوى من النظر. نؤكد ان تواتر الاحداث بالصحراء منذ ما يربوا على اربعة عقود من الزمن، ارتبطت بمجموعة من المحددات:

اولا: لايمكن الفصل بين بروز فكرة البولساريو بالصحراء عن المعطيات الدولية والعربية والاقليمية التي حكمت الفكر والممارسة السياسية على حد سواء في نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، ونذكر منها على سبيل المثال تنامي الفكر الاشتراكي في مجموعة من دول العالم الثالث.
وفي هذا الخضم ظهرت بالجامعات المغربية، وفي اوساط بعض الشباب المغربي المتعاطي مع السياسة، أفكار نحت الى تبني القومية احيانا، والاشتراكية احيانا، والماركسية اللينينية أحيانا أخرى، هذه الافكار التي تغذت منها فكرة البولساريو بدعم من اطراف خارجية ذات مصالح مختلفة جيو-سياسية للتشويش على النظام القائم بالمغرب.

ثانيا: إن كان المحدد الاول يضعنا بموضوعية في السياق الفكري التاريخي لبروز فكرة البولساريو، فإنه من الذي لاجدال فيه -بحكم ثبات المكان- أن استرجاع المغرب لصحرائه سنة 1975 لم يتم في المجرد، بل لقد تم في منطقة جغرافية سياسية هي نفس المنطقة التي نعيش فيها الجزائر ايضا. وهذا معناه، من الوجهة الجيو-سياسية، إن استرجاع المغرب لصحرئه هو تغير لمزان القوة بين المغرب والجزائر، مما يجعل الجزائر موضوعيا طرف في النزاع.

ثالثا: إن الاشواط التي مر منها الصراع حول الصحراء بدءا بالنزاع المسلح، ومرورا باتفاق وقف اطلاق النار، ومشروع الاستفتاء ومخططات المبعوث الاممي (بيكر)، لم تفضي جميعها لإنهاء النزاع بقدرما طالت مدته، وفوتت الفرصة على الشعوب المغاربية برمتها في الاستقرار والنمو لمجابهة ماينتظرها من تحديات على كافة المستوايات، وسببت في تفاقم اوضاع الصحراويين بتندوف وفي الشتات وبتردي اوضاعهم الأجتماعية والنفسية في ظل الحرمان من كل حق من حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا.

رابعا: إن المغرب، ومنذ مطلع تسعينات القرن الماضي، أعطى انطلاقة مسلسل جديد يحدد علاقة المواطن بالدولة، ويسعى الى ترسيخ دولة الحق والقانون والكرامة الإنسانية والمؤسسات الضامنة للحق والساهرة على الواجب.
وقد شكل ثامن يناير2004 نقطة القطيعة مع مخلفات فكر وممارسات مغرب ما بعد الستنات، بإعلان الملك عن هيئة الإنصاف والمصالحة، كآلية لإعادة القراءة في تاريخ المغرب ما بعد الاستقلال، وإعمال النقد الموضوعي، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق المصالحة مع الذات والتاريخ.
وتابعنا، وتابع الرأي العام العالمي والدولي معنا، الأشواط التي قطعها المغرب، ملكا وشعبا واحزابا، في هذا المجال عبر تضميد جراح الماضي، وجبر الضرر بكيفية شمولية جريئة ومتبصرة، اعتمدت الإنصاف وردت الاعتبار للمواطن المغربي.
ونتابع ويتابع الراي العام العالمي معنا، ما افضت اليه هذه الانطلاقة السياسية والحقوقية من انطلاقات اجتماعية وتنموية تتسارع مؤشرات نموها نحو الأفضل والأحسن.

خامسا: إن المغرب وسعيا منه لتصفية النزاع وفق أسس سليمة، وموضوعية، طرح مقترح مشروع الحكم الذاتي الذي يراعي مصالح جميع الاطراف طبقا لما تمليه الشرعية الدولية.
إن قرار الحكم الذاتي الذي دعاء اليه ملك المغرب ليس قرارا سهلا بل هو قرار شجاع، ينم عن جرأة كبيرة لا يمكن تفسرها إلا بارادة الملك لبلورة منهجية جديدة من اجل حل المشكل وفق رؤية جريئة وواضحة وثاقبة مقارنة بكل تحركات المغرب السابقة، تؤسس لثورة حقيقية في النسق الإداري المغربي في افق ادارة جهوية موسعة الصلاحيات في تدبير شؤونها الجهوية.
فمع الحكم الذاتي، لم يكن الحديث متوقفا عند مطلب إقرار لامركزية متقدمة ولا عن اختصاصات لاممركزة موازية، بل تعداه إلى إقرار سلطة محلية قائمة الذات، بأركانها وهيئاتها، ومن هذا المنظور علينا أن نبحث في المشروع المؤسس للحكم الذاتي كما هو مقترح، لنرى إلى اي مدى يضمن حق الصحراوين او يتنكر لها ؟.

وبالرجوع الى النص المقترح، نجده يقر بحق الصحراويين في مبدأ المشاركة والمساواة الذي يكفل المغرب من خلاله لكافة الصحراويين مكانتهم اللائقة ودورهم الكامل في مختلف هيئات الجهة ومؤسساتها، بعيدا عن أي تميز او إقصاء، وذلك وفق المنهجية الديمقراطية الحرة المبنية على ان يتولى سكان الصحراء، وبشكل ديمقراطي تدبير شؤونهم بانفسهم من خلال هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية للإسهام الفعال في الحياة العامة بما تحدده القوانين التي يطرحها هذا المشروع والتي تتضمن:
– مبدأ المشاورة والاستشارة الشعبية للسكان المعنيين، حتى في المسائل التي تعد جزءا من مظاهر السيادة المغربية، حيث تباشر الدولة مسؤوليتها في مجال الخارجية مع جهة الحكم الذاتي للصحراء بل لقد ذهب المشروع المغربي الى ابعد من ذلك عندما جعل نظام الحكم الذاتي للجهة الصحراوية موضوع تفاوض يطرح على السكان المعنيين ضمن استشارة ديمقراطية واجتماعية.
ترسيخ مبدأ الإندماج والأدماج الذي يلزم بموجبه المغرب بإتخاذ كافة الإجراءات اللازمة من اجل إدماج الاشخاص الذي تتم عودتهم الى الوطن إدماجا تاما في حظيرته، وذلك في ظل ظروف تكفل الحفاظ على كرامتهم وسلامتهم وحماية ممتلكاتهم، ومع كل هذا السخاء في العرض المغربي فإنه لم يشترط على الطرف الأخر إلا التزاما واحدا، والقاضي بأحقية الدولة المغربية في الإحتفاظ باختصاصاتها في ميادين السيادة، ولاسيما الدفاع والعلاقات الخارجية والاختصاصات الدستورية والدينية لجلالة الملك.
إن المغرب لم يبين عرضه من فراغ ولم ينسج مضامنه من خيال، بل قدم مشروعا قائما على ضوابط ومعايير متعارف عليها عالميا ومعبر عن قناعة دولية في حل الخلاف حول الصحراء بطريقة سلمية، وعلى اسس إجراءات توافقية تنسجم مع الأهداف والمبادئ التي ينص عليها مثاق الأمم المتحدة من هنا نفهم لماذا اتفق المجتمع الدولي على وصف المقترح المغربي بالجاد والمسؤول لأنه بالفعل قدم حلا ميسر التطبيق وقابل للتفاوض من اجله.

سادسا: إننا نرى ان العيش الكريم هو العيش في ظل الأمن والحرية والديمقراطية والعدالة الأجتماعية والمساواة، ومن هذا المنطلق نؤكد ان الحكم الذاتي سيضمن:
– استقرار الوضع في إفريقيا شمال الصحراء.
– تفعيل بناء المغرب العربي الموحد كقوة بشرية اقتصادية وسياسية لمجابهة شمال المتوسط والمحيط.
– تنمية الإنسان الداخل في دائرة الصراع “سوى منه الصحراوي المحتجز في تندوف، او المغربي عامة، وكذلك الجزائري، وحتى المورتاني وذلك باعتبار الإستقرار السياسي بالمنطقة يشكل المدخل الرئيسي لتحقيق التنمية الإنسانية بها.
– تمكين الصحراويين من جمع شملهم، وتدبير شؤونهم وتنمية جهتهم بسواعدهم وإراداتهم، في إطار وطن يتسع لهم من لكويرة الى طنجة.

وتأسيسا على لمحددات الأنفة الذكر، يتأكد أن كل المحاولات الرامية إلى افشال الحكم الذاتي للاقاليم الصحراوية في ظل السيادة المغربية انما هية برهان على زيف اطرحة قيادة البولساريو من اساسها ودعوة للتأمل في التاريخ القريب للكشف عن الحقيقة المغيبة عند البولساريو.

وبناء على هذا، وسعيا ارفع كل لبس، وتوضيحا للرؤيا خاصة عند شبابنا ممن يستوهيهم شعار تقرير المصير، نستحب لدعوة التأمل في التاريخ لنستجلي الحقيقة المغيبة عند البولساريو.

إن مفهوم تقرير المصير بمعنى الإنفصال يعد المغالطة الأولى التي يروج لها أعداء المجتمع الصحراوي في العيش الإنساني الكريم، والأستقرار الأمني، إذ أن تقرير المصير يعني الاختيار المناسب من الخيارات القائمة. 
وهو بالنسبة لنا اختيار بين حالتين واقعتين: إما أن نسير أنفسنا وندبر شؤوننا في إطار حكم ذاتي، يضمن لنا حق التصرف في خيرات جهتنا، بالإضافة الى حقوقنا المغربية كاملة في جميع جهات المملكة، وإما أن نبقى مكتوفي الأيادي أمام زيف تيار حول المفهوم إلى شعار.

والحقيقة، هنا، لا تخفى على أي صحراوي. إذ أننا نعلم أن القرار في تندوف قرار جزائري، وأن قيادة البولساريو لا تمارس هناك إلا نوع من الحكم الضيق وفي هذا الحكم لاتتصرف إلا في توزيع وبيع المساعدات الإنسانية التي تمنح لسكان المخيمات، ومن لايملك حق إتخاذ القرار لا يمكن أن يملك سلطة التقرير.

ومن هنا فإن الحديث عن استفتاء الصحراويين في مصيرهم لحل النزاع ليس إلا ورقة يماطل بها الجيش الجزائري أي تسوية. فإذا كان الأمر يتعلق بتقرير المصير، أي ممارسة الاختيار الأنسب، فإن اغلب الصحراويين ممن لم تطلهم يد الاختطاف واستعصى على التقرير بهم قرروا البقاء في وطنهم والمتمكنون من العودة إلى ارض الوطن يتوافدون بكثرة متحدين لأطرحة البولساريو وقراراتها، ومقررين مصيرهم بأختيارهم الإرادي وبدون إملاءات خارجية.

وإنه، بالرجوع إلى ماسبق، وبإستحضار احداث التاريخ القريب التي نحت على ذاكرتنا ونحن اطفال نرى أنفسنا تفرض عليها اديولوجية اشتراكية لانؤمن بها ولا تتماشى مع معتقداتنا الدينية والثقافية، وبدون اشتشارة ولا استشارة مع احد منا لنصبح مساجين فكر ليس من صنعنا. وبالوقوف عند أوضاع عائلتها اليوم في تندوف. لا يمكن بأي حال أن تكون قيادة البولساريو محاورا بأمسنا. 

والتي كان من المفروض أن تنتهي صلاحيتها مع انتهاء الأشتراكية في العالم وانتهى سياسة الحزب الواحد في الجزائر، مما يجعلنا نمتلك حق الطعن في شرعية تمثليتها للصحراويين.

إن المعطيات أعلاه تؤكد لنا نحن ابنا المنطقة المتنازع بشأنها، ومن منطق معايشتنا للصراع ولأكثر من ثلاثة عقود، نرى أن مشروع الحكم الذاتي يشكل الحل الأنجع والأمثل لتمكين الصحراويين من جمع شملهم والانخراط في بناء مجتمعهم بعمق إنساني كبير ونظرة بعيدة الأفق.

وإنه، من الواضح أن فلسفة الحكم الذاتي لا تتعلق بصيغة الإندماج الذي كان يدعوا إليه المغرب عبر استفتاء تأكيدي ولاصيغة الاستقلال التي كانت تدعوا إليها البولساريو، إنما هو صيغة وسطية توفقية تنظر الى منطق الأشياء القائمة على ارض الواقع للخروج من النفق المسدود الذي وضعته جملة الأخطاء التاريخية التي استفحلتها استخبارات بعض الدول الاجنبية لدعم النزعة الإنفصالية، وفي هذا الإطار نقول أنه لا يمكن للبولساريو أن تستمر، ومحتم عليها أن تمشي مع الحل الحداثي الذي يرتقي بالواقع بدل من ان تكون سجينة وانعكاس سلبيا له، وهو أمر يفرضه الواقع الذي يعيشه الصحراويين بتندوف وفي الشتات لاحسابات السياسة الإستخباراتية لبعض الدول والمصالح الشخصية الأنية لقيادة نصبت نفسها ممثلا.

ومن هنا ندعوا قيادة البولساريو إلى التفكير الإجابي والأحتكام إلى سلطة العقل في إخراج الصحراويين من هذا الواقع المظلم الذي عمر اكثر مما يجب واشراكهم في بناء وطنهم في هذا الحكم، بحكم انه لا يمكن أن يجد سواه لأنه منفتح على الأخر، ولأنه يرفض الضم الشامل، كما يرفض الإنفصال الضيق والعنيف. وبهذا المشروع الراقي يكون المغرب أظهر نيته الصادقة للحل كونه تنازل عن حقوقه المشروعة إلى ابعد حد ممكن من أجل فض النزاع المفتعل بطريقة سلمية ومسالمة وبدون القضاء المبرم على ذاك الطرف الذي يحتجز صحراويين خارج وطنهم. لأنه يرى أن هذا الأحتجاز عمر اكثر مما يجب، ويجب التضحية لإنقاذ الأبرياء.

يمكننا القول أن ملف الصحراء قد أنتهى بإعلان الملك عن حكم ذاتي لكل الصحراويين وليس للبولساريو فقط لأن لديه 70% من الصحراويين وقد بدأ بتطبيقه معهم من خلال تفعيل الجهوية المتقدمة، واخذا بعين الأعتبار مسألة تصحيح الأوضاع حقوقية واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

فمن خلال هذا العرض ارتأينا تبين نجاعة مشروع الحكم الذاتي لكافة المعنيين به مباشرة ولجميع المهتمين بمجريات الأحداث بالصحراء وحولها.


شاهد أيضا