الصناعة التقليدية بين العولمة وسبيل الحفاظ على هويتنا الثقافية

الداخلة نيوز: نفعي يارة

الصناعة عبارة نرددها باعتزاز أو بانتقاد، بحسرة أو بانتشاء، بين الفينة والأخرى، خصوصا في فترات حرجة كالإنتخابات أو حينما يشارك الحرفيين في إحدى التظاهرات المحلية الإقليمية أو الوطنية أوالدولية.

ولكن، هل سبق وتساءلنا:
ما هي الصناعة التقليدية ..؟؟
وما علاقتها بتعزيز الهوية دون الوقوع في فخ العولمة..؟؟

أسئلة كثيرة تداخلت فجأة في تفكير الصانع وتنافست فيما بينها لتحتل الصدارة حين طرحها وكأن كل واحد منها يحمل الجواب بين طيَّاته وهو الأجدر بالذكر من غيره. فهل الصناعة مجرد علاقة تربط الفرد بالدولة وما يترتب عن ذلك من حقوق وواجبات أم هي شعور بالإنتماء لوطن معين حتى وإن كنت تعيش بعيداً عنه؟ هل هي مفهوم متغير مرتبط بالهوية الاجتماعية وتفرعاتها الثقافية والدينية، أم أنها لا تعدو كونها تعريفاً جامداً لانتماء جغرافي؟ هل جميعنا نفهم الصناعة بنفس الشكل وهل نعيشها على أرض الواقع كما نتخيلها؟…

الحقيقة الجلية هنا هي أنني لا أجد جواباً بعينه ولم أكن أدرك فعلاً الهدف من السؤال حين طرحته. فكيف إذن لمصطلح واسع الإنتشار كثير الإستعمال أن يحمل بين طياته هذا القدر من التعقيد والإختلاف في التعريف؟ إنه، في النهاية، هذا التساؤل هو ما دفعني للتأمل في الموضوع. إن استعمالنا لكلمة «الصناع» بشكل بديهي دون البحث في أصول الكلمة ومعانيها هو نابع حالياً من تأثرنا بمناخ العولمة الذي ساق لنا مجموعة من المفاهيم الكونية حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من ثقافتنا وهويتنا الإجتماعية.

فالصناعة كما تُعَرِّفُها دائرة المعارف البريطانية هي علاقة بين فرد وحرفة ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة. ولكن أين هو الشعور بالإنتماء بالنسبة للصناع التقليديون في مثل هذا التعريف القانوني الجامد؟! فلطالما ارتبطت الصناعة بمشاعر الإنتماء للأرض التي نعيش فيها أو البلد الذي ولدنا فيه وإن كنا لا ندرك فعلا كيف يولد هذا الشعور ويتطور لدرجة يُقبِّل فيها البعض تراب البلد الذي فارقه فور نزوله من الطائرة ويتلذذ وهو يستنشق هواءه وكأنه يختلف عن كل بقاع الدنيا. إنه يتجلى إذن في الكيفية التي نمارس بها الصناعة ونعيش بها كشكل من أشكال الهوية الإجتماعية وليس فقط مجرد ممارسة قانونية. فالصناعة تتميز بنوع خاص من ولاء المواطن لوطنه والتعاون مع المواطنين الآخرين عن طريق العمل المؤسساتي والفردي الرسمي والتطوعي في تحقيق الأهداف التي يصبو لها الجميع. وكباقي أشكال الهوية الإجتماعية أصبحنا نؤسس للصناعة في مجتمعاتنا من خلال التربية وهو ما صرنا نصطلح عليه اليوم «بالصناع»”.

خلاصة القول، إنَّ الصناعة ليست مجرد فكرة بل هي ممارسة لعلاقة الفرد بالدولة وتجسيد لهويته الإجتماعية المرتبطة بالأرض والوطن. ولكي يتحقق ذلك يجب أن تكون الهوية الوطنية للصانع مبنية على روح المواطنة أسمى من باقي الهويات الفرعية الأخرى سواء كانت لغوية أو اثنية أو دينية. بهذا يصبح المواطنون، أبناءُ الوطن الواحد، إخواناً في المواطنة بالرغم من تنوعهم الثقافي وانتماءاتهم الفرعية المختلفة، يوحدهم هدف مشترك هو خدمة الوطن لأجل الصناعة، وخدمة الصناعة لأجل الوطن قصد رقيه وازدهاره. فبفضل الصناعة يزول الاختلاف وتتأسس “الوحدة في التنوع الصناعة، إذن، هي فعلا شعور بالإنتماء للوطن وتعبير عن محبة الإنسان لوطنه وحرفته، ولكن في انسجامٍ وتناغمٍ مع القيم الإنسانية واحترامٍ لشخص هذا الصانع حتى يشعر بقيمته فوق ترابه. أمَّا الوطنيّة المتطرِّفة، وهي شعور يَخْتَلِف عن ذلك الشعور المشروع المتَّزن، فلا بدّ أن يُستعاضَ عنها بولاءٍ أوْسَع، بمحبّة الصناع ككلّ.

ففكرة الصناعة العالمية جاءت كنتيجة مباشرة لتقلُّص العالم وتحوُّله إلى قرية يَتَجاوَر فيها الجميع، بفضل تقدُّم العلم واعتماد الأمم بعضها على بعض اعتماداً لا مجال لإنكاره. فالمحبّة الشّاملة لأهل العالم لا تَستثني محبّة الإنسان لصناعته دون فلاحة أو الصيد البحري أو الطاقات البديلة وتلك خير وسيلة لخدمة مصلحة الجزء في مجتمع كلي هي خدمة مصلحة المجموع.

كم هو جميل أن نشاهد هذا التطور والإرتقاء في المفاهيم التي طالما حددت علاقة الإنسان بأخيه الإنسان من القبلية إلى القومية، ومن الوطنية إلى المواطنة العالمية، في إشارة واضحة لوصول البشرية إلى مرحلة البلوغ. كل هذا يبشر بقدوم السلام العالمي ووحدة الجنس البشري كحاجة ملحة لا غنى عنها رغم المعارضة التي تلقاها من قوى الهدم التي أصبحت تنتمي إلى العالم القديم لا محالة. هكذا سنظل نسعى إلى السلام ما حيينا لأننا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمَّى.


شاهد أيضا