الداخلة نيوز: بنعبد الفتاح محمد سالم
سبعة شبان صحراويين في مقتبل العمر يقضون نحبهم أثناء محاولتهم العبور الى جزر الكاناري- اسبانيا، فبحسب ما تداولته وسائل الاعلام نقلا عن مصادر قضائية اسبانية فقد لقي خمسة منهم مصرعهم يوم الاثنين الماضي بسبب الجوع والإجهاد الناتجين عن تعرضهم لموجة برد شديدة أثناء عبورهم الى جزيرة لانساروطي الاسبانية على قارب مطاطي، فيما توفي اثنان غرقا قبالة سواحل الجزيرة.
الشبان الصحراويون ركبوا غمار الهجرة الغير نظامية بحثا عن عيش كريم بعد أن ضاق بهم وطنهم الغني بخيراته، ولكن المحتكر والمنهوب من قبل شرذمة من الفاسدين ولصوص المال العام “الهناتيت” وأذنابهم…
فبالنظر الى الدعاية الرسمية التي تقدم الاقاليم الصحراوية على أنها جنة الله في الأرض، فلا يمكن أن يقدم هؤلاء الشبان السبعة على خوض هذا الغمار الذي انتهى بمصرعهم سوى بهدف السياحة أو حب المغامرة، فمن سابع المستحيلات أن يتركوا وراءهم “مخططا تنمويا جهويا استعجاليا” مخصصا للإقليم, لطالما طبلت له الحكومة، تفوق الميزانية المخصصة له الـ 70 مليار درهم، رُوج له في الاعلام وسوق له عالميا، بالإضافة الى ميزانية حكومية سنوية تناهز 17 مليار درهم مخصصة للاقليم في هذه السنة، بحسب الاعلام الرسمي دائما، زيادة على منجزات أكثر من عشر سنوات من “برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، عدى عن الامتيازات الخيالية الكثيرة التي تستفيد منها الساكنة من قبيل “الكارطيات” والوظائف والمواد المدعمة وحتى المجانية كما يزعمون.
بل أنهم تركوا أيضا نهضة ثقافية خصصت لها المليارات قوامها المهرجانات والسهرات والحفلات الغنائية والفولكلورية المائعة، وحتى الندوات الفكرية التي تقمع الفكر الحر و تسبح بحمد السلطة، بالإضافة الى الزيارات الكثيرة التي لا حصر لها للمسئولين المركزيين ومرافقيهم من الضيوف الأجانب ومن ذوي الحظوة من أبناء المنطقة، وما يتخللها من إسراف وتبذير وهدر للمال العام…
والاهم أنهم تركوا وراء ظهورهم نهضة حضارية لا مثيل لها، تمثلت في مشاريع التهيئة العمرانية التي استغنى منها لصوص البقع الأرضية وسماسرتها في حين منع أهل المنطقة الأصليون من الاستفادة منها، بالإضافة الى مشاريع تحسين مظهر المدينة من قبيل إنشاء الساحات العمومية و النافورات والأرصفة وكذا التبليط والإنارة وتجديد واجهات الادارات المزركشة وأثاثها، وهي المشاريع التي تدبر صفقاتها تحت جنح الليل وتشترى بها الذمم، ويجند بها الأتباع، لصالح هذه الجهة السياسي أو تلك، فلم ينعكس كل ذلك المجهود على وضعية الساكنة التي لازالت تئن تحت وطأة الفقر والعوز والحاجة.
طبعا المجرمون المسؤولون عن دفع هؤلاء الشباب الى الموت قهرا قبل أن يموتوا بردا وجوعا وغرقا، لن يجدوا في أنفسهم غضاضة من التبجح بأسطوانة تنمية الاقليم المشروخة التي لم تعد تنطلي على أحد، والتي يغطون بها على فسادهم المكشوف للقاصي والداني، وعلى نهبهم وارتزاقهم باسم ساكنة الاقليم، التي يدعون زورا وبهتانا تمثيلها والدفاع عن مصالحها…، في حين أنهم يحرصون على الانعزال عن العاملة والاعتكاف في فللهم وقصورهم ومكاتبهم الوثيرة بعيدا عن هموم المواطنين وتطلعاتهم، لا يجدون في أنفسهم حرجا من التبجح بمستوى عيشهم الباذخ وباستثماراتهم والتباهي بها أمام البسطاء المستضعفين الذين لا حول لهم، حيث يقحمون المجتمع في دوامة من التنافس المظهري الذي لا قبل للفقراء به.
لكن يبقى عزاؤنا في دعاء أمهات الشبان الذين قضوا نحبهم، الثكالى حزنا وقهرا، فكأني بهن يرفعن أيديهن و يبتهلن لربهن ويدعونه أن ينتقم من الفاسدين الذين نهبوا الخيرات وسرقوا المقدرات ودفعوا خيرة أبناء الاقليم الى هذا المصير المحزن، لعله يستجيب لدعائهن فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله من حجاب.


