المفاوضات من مانهاست إلـــى برلين قراءة لتجليات إحتضار البولساريو

الداخلة نيوز: ابراهيم اعمار


إن المتتبع لمسار وتاريخ المفاوضات بين المغرب والبوليساريو يجد أنه لم تكن هناك مفاوضات بالمعنى الديبلوماسي للكلمة بل كانت هناك عروض كل طرف بحضور ممثلي الامم المتحدة، حيث تقدم البوليساريو سيناريوها المتقادم والمغرب يقدم عرضا متجددا كما أن الطرف المستتر يراقب عن كثب مدى تنازل المغرب. فأولى جلسات التفاوض كانت نتيجة مخرجات مخططات الأمريكي “جيمس بيكر” والتي لم تفضي إلـــى إتفاق جدي يبشر بحل بقدر ما ساهمت في تمطيط الزمن وإطالة مدة الصراع وهدر الكثير من زمن التنمية على الصحراويين والمنطقة على حد سواء والقارة الإفريقية والأوروبية التي غدت ترى في منطقة الساحل والصحراء كنزا مسيجا بالأشواك والــألغام التي اكتوت من خلالها دول المنطقة بنيران حركات التطرف والإرهاب التي كادت أن تخلط كل الأوراق وتفرض واقعا سياسيا جديدا برؤية أمريكية ضيقة ترهن المنطقة ومستقبلها.

لقد بات من المفروض على هذه الدول المحيطة ببؤرة النزاع التنسيق فيما بينها لمواجهة هذا الخطر المحدق كي لا يتحول الطموح الأمريكي إلى ذريعة للتدخل في القرار السياسي الإفريقي بحجة الأمن والإستقرار الدوليين في مجابهة الإرهاب كما وقع بالشرق الأوسط.

إن الجولات الأولى من التفاوض بين المغرب والبوليساريو بمانهاست رسمت للمتتبع أهم الخطوط التي تحيل إلى مدى سذاجة فكرة التفاوض، ذلك أن الطرف المستتر هو الفاعل الأكثر أهمية من الأطراف التي تبدو رسمية، الشيء الذي ينجم عنه أن الحوار هو في عمقه وحقيقته بين المغرب والجزائر, أما البوليساريو فمنطقها في التفاوض هو كمنطق سائق الشراع الذي يدفع بدفته عكس الريح حتى يضمن الإبحار بقضية المفاوض المختفى المتواري عن الأنظار بحثا له عن حفظ التوازن كحد أدنى في المنطقة. ذلك أن ثروات المنطقة وموقعها الــإستراتيجي كصلة وصل بين شمال القارة والجنوب الأخرى تسيل لعاب من لا لعاب له، وهذه الثروة هي التي ساهمت في تغيير مسار التسوية الأممي من خلال فكرة توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان مؤخرا والتي سبقتها فكرة التقسيم وهما فكرتان صرف عليهما المحاور المستتر تحت الطاولة وعبأ كل إمكاناته وطاقاته في سبيل تحقيقهما لكنهما في كل مرة تتكسران وتنصهران أمام شرعية المغرب في صحرائه وجدية الصحراويين في مغربيتهم.

إن المرحلة اليوم خلقت تغيرات أخرى لعل أهمها:
_ العودة القوية للمغرب إلى عمقه المؤسساتي إفريقيا الذي كرس علاقة المملكة المغربية المؤثرة والقدسية في دول إفريقيا، وكشفت عن دبلوماسية الاقتصاد والتنمية لبلورة منهجية جديدة من خلال الجلوس للحوار جلسة الأشقاء وبشعار “رابح رابح” بهدف تذويب عقد الماضي واستشراف المستقبل.
_ استباق المغرب إلى إحداث لجنتين لحقوق الإنسان بالأقاليم موضوع النزاع.
_ تقييم المغرب للنموذج التنموي بالصحراء وإعطاء انطلاقة نموذج تنموي جديد بآلية الجهوية المتقدمة التي تضمن مشاركة واسعة للسكان في تدبير شؤونهم بحرية و ديمقراطية.
_ استكمال المغرب لأسس وقواعد التنمية المستدامة وتحقيق الريادة على مستوى حضوره القاري والدولي.
_ تنزيل المغرب لدستور جديد محرر للفعل السياسي المغربي من قيود الماضي.
_ هيمنة فكرة الحكم الذاتي على عقول رجال الأعمال المغاربة والجزائريين على حد سواء قبل رجال السياسة.
_ رغبة المغرب الأكيدة في تجاوز عقبات الماضي لفتح آفاق رحبة في وجه شعوب القارة.
_ حرص المغرب على تطبيق القرارات الأممية بهدف ضمان استقرار المنطقة والنمو. 
_ اعتراف المنتظم الدولي بواقعية وجدية مشروع الحكم الذاتي.
_ فشل أمريكا في توسيع صلاحيات المنيرسو وهو الأمر الذي يعيد أوروبا من جديد لتطلع بمهامها كطرف راعي للنزاع. 
_ الـإنشقاقات داخل البوليساريو وبروز حركات جديدة قد يكون لها منظور جديد ولا سيما الجانب الثمثيلي بما يتماشى مع التحولات المطروحة، مما يجعل البولساريو على محك الزوال.

ليبقى السؤال الجلل والأكثر راهنية هو:

ما الداعي لمفاوضات لم تنتج حالة انفراج و تقارب في الرؤية ما دام صاحبها “المستتر والمختفي” يصر على وضع العربة أمام الحصان محاولا إجهاض كل محاولة للاستقرار في شمال إفريقيا..؟؟
وعن أي معنى, لحوار مع من لا تفويض له ولا شرعية له في تمثيل الصحراويين بقدر ما هو فصيل نزاع مفتعل لا يملك سلطة التقرير و لا حق اتخاذ القرار..؟؟

شاهد أيضا