الداخلة نيوز: إبراهيم الإدريسي
ستعيش العيون مثل غيرها من المدن المغربية في الأيام المقبلة على وقع الانتخابات الجماعية التي تعد الأولى بعد دستور 2011، هذه الأخيرة التي جاءت في سياق سياسي يقتضي التوسيع من مبدأ الديمقراطية بتخويل الجماعات اختصاصات وموارد جديدة في تدبير الشأن المحلي. وذلك إيمانا من قبل الدولة بكون الساكنة المحلية هي الأدرى بشؤنها عن غيرها.
في هذا الإطار ووعيا منا أن بلوغ التنمية المحلية لساكنة العيون وفقاً لما ينسجم مع حاجياتها وتطلعاتها هو المعيار الوحيد لنجاح هذا النموذج الجديد من اللامركزية الإدارية المتجسدة في الجهوية المتقدمة أو الموسعة…، خصوصا في منطقة الصحراء وما تكتنزه من خصوصية سياسية، إضافة إلى ما قد يترتب عن نجاح هذا النسق الجديد أو فشله من أفاق جديدة لحل النزاع وبناء الثقة، كل هذا وذاك أمور تقودنا إلى طرح تساؤلات عدة ومشروعة: أولا ما مدى نزاهة ومصداقية النخب المرشحة بمدينة العيون وهل من كفاءات شابة جديدة ؟وما هو المنطق الانتخابي الراسخ بمدينة العيون؟ أهوالقبيلة أم المال أم الزبونية؟ ثم ما مدى تأثير هذا المنطق على العملية الانتخابية وما سيترتب عنها مستقبلا بالمنطقة؟ ختاماً وفي ظل سيطرة “الحزب الواحد” على مختلف المجالات بالمنطقة، إلى أي حد ستشكل هذه الانتخابات فرصة للمنافسة بين الأحزاب وإتاحة الفرصة لطرف آخر ؟ أم أن نتائجها لا تعدو أن تكون محسومة مسبقا خصوصا في ظل عزوف فئة مجتمعية عن التصويت؟
إن أول ما يستحضره القارئ من خلال عبارة“الحزب الواحد” هو الواقع التاريخي الذي تمثله الهيمنة الأمريكية على كافة المجالات الحيوية بالعالم وذلك في إطار ما عرف بالقطب العالمي الواحد، هذا الأمر قد يكون شبيها بما تعيشه مدينة العيون اليوم من سيطرة “لوبي سياسي” معين على كافة المجالات الحيوية من هيئات ومؤسسات ومجتمع مدني بما فيها المرفق الإعلامي الذي لا يغض الطرف عن أي نشاط يقوم به هذا الأخير، حيث إنه يشكل أداة للدعاية الانتخابية ويجسد منطق التحكم والسيطرة.
في ذات السياق، كُرِّسَتْ لدى المواطن العيوني – بفضل العامل السالف ذكره – صورة نمطية أيقونية عن مرشحه الأول الصالح تمثيله في كل زمان ومكان، كما بدت عنده قناعة شبه تامة ودائمة بأن السيد فلان ولد عيلان “خْدَمْ”، ضاربين بعرض الحائط كل السيناريوهات الانتخابية المتكررة دورة بعد أخرى من شراء للأصوات وتصفية للحسابات السياسية والقبلية… إن الكل متفق على أن النظام القبلي بالصحراء يعد أحد أهم الركائز التي تقوم عليها العلاقات الاجتماعية بالمنطقة، كما أن تأثيره ليس ببعيد عن العملية الانتخابية نظراً لما ييسره الفوز فيها من ضمان لمصالح أهل القبيلة: مثل فرص الاشتغال، والحصول عدد من الامتيازات والهبات، وتعزيز سلطة القبيلة ونفوذها… وعليه فإن الاعتماد على هذا المعيار القبلي في الاستحقاقات الانتخابية يعد ضرباً في مصداقيتها ويسهم في تكريس التنافسية غير النزيهة التي ستؤدي لا محالة إلى مصادرة حق المواطن الحر والنزيه في بلوغ الإصلاح والتغيير.
إن مدينة العيون تشهدكمثيلاتها في المناطق الجنوبية فراغاً تنمويا يمس جوانب عديدة لم يقدر لها أن تندرج ضمن اهتمامات الفاعل السياسي داخل المنطقة ويدافع عنها بكل الطرق النضالية المتاحة، ولعل أبرز هذه القضايا وأجلها تلك المتعلقة بالجانب التعليمي والأكاديمي، إذ صار من العيب أن تستمر منطقة مهمة من تراب وطننا الغالي دون أن تتوافر فيها نواة جامعية شاملة لكل المعارف والتخصصات ومعاهد متخصصة تلبي كافة حاجيات الساكنة في التحصيل العلمي والمهني، وأيضا غياب مهول للمرافق التعليمية من قبيل المركبات التربوية إلا إذا استثنينا بعض المراكز المحدثة مؤخراً والتي ما تزال موصدة الأبواب، وهذا عوضاً عن صرف الأموال الطائلة على الجانب الترفيهي والرياضي فقط من بناء للساحات والحدائق والملاعب التي لا نبخسها أهميتها وقيمتها في الدفع بعجلة التنمية بالمنطقة.
قد يظن البعض أننا بصدد شن معركة ضد حزب سياسي معين داخل الصحراء – فلنقل إنه لا تهمنا الأحزاب بعينها بقدر ما يهمنا واقع التنمية داخل الإقليم-، فالانتخابات الجماعية بعد دستور 2011 والحراك الشعبي على خلفية ما سمي بحركة 20 فبراير وما سبقتها من احتجاجات اجتماعية بالعيون تحمل معها العديد من الرهانات و الإيحاءات الهادفة إلى القطع مع الممارسات السابقة المدرجة في خانة التحكم والسيطرة والريع السياسي. إن ما نصبوا إليه هو حث كل الأحزاب السياسية بالمنطقة على فتح المجال لكافة الأطراف الفاعلة في الشأن السياسي من شباب ونساء من ذوي الكفاءة العالية والمصداقية والنزاهة بشكل قد يمكن مستقبلا من ح لأزمة الثقة والهوة الحاصلة بين الناخبين والمنتخبين بالمنطقة، والأكثر من هذا بين الدولة والمجتمع الصحراوي بصفة عامة نحو نظرة استشرافية لحل قضية الصحراء وتمهيد الطريق لحكم ذاتي بالمنطقة في إطار الوحدة الترابية والوطنية لمغرب ننشده جميعا.

