الداخلة نيوز:
“إن الوطن غفور رحيم” شعار تآكل وعلاه الصدأ حتى بات يلقي بمريديه في سحنات الشوارع وأمام مقرات الولايات والعمالات ليستنجدوا بأصحاب القرار من أجل بقعة أو كارطية تقيهم شر الفقر وويلات الحاجة. أن تكون عائداً لأرض الوطن أو هكذا يبدو إن صح تسميته “وطن” بعد سنين البؤس في قفار اللجوء وحر الظلم الطبقي لقيادة الرابوني، فأنت حتماً متسولٌ من درجة “مواطنٍ بدون” . فلا أنت أبن حي الوكالة المترف بمؤن الدولة وعطاياها السخية ولا أنت وافدٌ من الشمال لتتمتع بحقوق المواطنة الكاملة. فما بالك وأنت القادم من مخيمات البؤس والشقاء والمرتزقة كما دأب التوصيف المخزني على ذلك.
في الداخلة حيث الثروة السمكية الهائلة والميزانيات العارمة، تسير الأوضاع نحو الأسوء ويشتد حبل الدهر بؤساً على الصحراويين كلما أشاعوا في أذهانهم حب العيش الكريم والبحث عن مواطنة كريمة في وطنٍ لا حظ فيه إلا للوافدين من مسيرات الشمال أو المتملقين من لصوص الإمضاءات. واليوم ونحن في أتون الإنتخابات وصرف ما لذ وطاب من أموال سنوات من النهب والسلب يشتد المنظر قتامةً أمام مقر ولاية الجهة أين يبرز أقوامٌ لمضاجعهم نساءاً ورجالاً وقد آمنوا بخيرات أرضهم مُعيلاً . مبارزين برد الداخلة القارس قصد دحرِّ عجرفة السلطات ومسؤوليها وبيادقها الإنتخابية كذلك بالمبيت في العراء، ليذكروهم لعل الذكرى تنفع لصوص هذا الحيز المكاني من الصحراء أن عراء الحمادة والمخيمات أرحم تريليون مرةٍ من عراء معبد السيد الوالي الذي يبيت على جنب الراحة في قصره الفخم بالداخلة مع نفقات تبلغ 200 مليون سنتيم للسنة من أجل طعامه ومشربه فقط، غير أبهٍ بمصير البؤساء النائمين على الإسفلت في إنتظار وعوده السرابية التي يبصقها في وجوههم عند كل صباح يلج فيه ثكنته المدنية المحصنة بجيوش المردة وخدمة معبده الولائي.
في الداخلة مدينة الأوليجارشية المتوحشة بإمتياز، يتساوى اللاجئ الفار من نار القتال الشامي في سوريا، والصحراوي الفار من قتال المعيشة في مخيمات تندوف، مع أحتساب أفضلية الأول بأن له وطناً يبني أماله عليه بعودة قريبةٍ لحضنه واخر يبني أماله على وطنٍ العودة إليه غربة. ملف العائدين أو “العايبين” كما يحب لاعقوا الأحذية أن يسموهم دوماً والذين أُخرجوا من أرضهم يوماً كارهين ليعودوا لها مكرهين، لم يكونوا يحسِبون أن أرضهم تعطي للجبلي والريفي والسوسي والموريتاني وكل شذاذ الجهات والأوطان ما يشائون رغداً وتمنعهم هم قطر العطاء بلا أعتذار، ليجدوا أنفسهم غصباً في أسفل الحضيض تتلاطمهم وعود الوالي والمنتخبين من أجل قطرة صغيرة من بحر لا يعام من الثروات التي يكدسها كاتموا الأنفاس والأرصدة وسادة المجالس اللصوصية والمعابد. ونحن في موقع البحر بريس إذ نشاهد تلك المشاهد البائسة من فقرات مسلسل البؤساء الصحراوي، يتملكنا الغبن والحسرة على أبناء جلدتنا الذين يتحملون قساوة الطقس وحرارة الشمس من أجل مطلبٍ مشروع وحق مكفول في قوانين الورق المغربية التي تأبطها السيد الوالي وحاشيته شراً وضرب بها وبكل المواثيق الإنسانية عرض الحائط في عنصرية حاقدة وفرزٍ لفئات المجتمع تعيد لنا مشاهد الأبرتايد الجنوب إفريقي في أقبح صوره الشوفينية.
ولذلك نطرح السؤال الذي يخالجنا مع باقي ساكنة هذه المدينة المنكوبة، أين المنتخبون ؟ وأين اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان ؟ وأين جمعيات المجتمع المدني ؟
الإجابة عن هذه التساؤلات تبدأ من كون المنتخبين هم شرذمة من الإنتفاعيين الجهلة الذين همهم ما يدخل بطونهم من المال العام وقيمتهم حتماً ما يخرج منها، هذا ونحن في غير وقت التنافس الإنتخابي المدفوع الثمن فما بالكم حالياً والجميع يطلب ود المخزن ومسؤوليه من أجل عطفةٍ إقتراعية من الأعلى، أما اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان فتلك لجنة لا يعلم حتى العاملون بها من يدير عجلتها أو يسيِّر دفتها. فرئيسها كقطب القدح لا يناسب مقاسها وهمُّ تقاريرها إرضاء جناب الوالي ودهاليسه الأمنية، ولا نكاد نذكر لها نفعاً ولا نصراً لمحروم أو مظلومٍ من المستنجدين بزوارقها. أما المجتمع المدني فذلك ذيل الإرتزاق والنفعية وصناعة المخزن وحياكته، عمله التملق ووظيفته تحصيل الولاء مقابل العطاء، وان وقف مع مظلوم فبتوجيه وإن عاداه فبمباركةٍ من سادة الولاية ومدبريها.
مبيت العائدين الى أرض الوطن مبيتٌ سيدونه التاريخ بحروف العار في صفحات الأبرتايد المخزني، ووسمة من وسمات الفضائح التي تلاحق والي الجهة وأعيانها، واليوم يشتد نجمُ يقيننا بأن الصحراوي بات مواطناً مبيتياً يتسول عيشه عند الوافد من جهات المغرب النافع. إنها سياسة إستئصال الهنود السمر وضرب عيشهم ليعودوا أدراجهم أو ليتفرقوا في أصقاع الأرض ويذروا الشتات، ولكن ما السر في ذلك ؟
نكاد نجزم كصحفيين متابعين للمشهد في الأقاليم الصحراوية، أن التمرد النفسي والسياسي على الدولة وسياساتها الفاشلة في بلورة تنمية حقيقة بالصحراء، جعلها تعيد حساباتها في إستقبال مزيدٍ من المشاغبين والمشاكسين من الصحراويين، الأمر الذي جعلها تقطع حبل العطاء مع فئة العائدين لأرض الوطن دون أن تعلن تخليها عن هذا النداء بصفة رسمية، وهو ما يجعلنا نتساءل بدورنا ومن جديد : لما لا تتخلى الدولة عن هذا النداء بصفة رسمية ؟ فإن كان الجواب بالرفض فلما لا تستجيب لمطالب المقيمين على رصيف الولاية بالداخلة، وإن كان بالإيجاب فلتُرجع تلك الفئات المهمشة عن عمد لمخيمات تندوف. فهناك على الأقل لقمة عيشٍ كريمة من المساعدات..


