الميز العنصري ضد الصحراويين، سياسة رسمية أم ثقافة شعبية “شركات الداخلة نموذجا”

الداخلة نيوز: محمد سالم الزاوي

 

تعرف الإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ، جريمة التمييز العنصري بأنها ” كل تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة.”

ولعله من أخطر الآفات التي تهدد وحدة وتماسك وبنية المجتمع هو جريمة التمييز العنصري التي يأكل معها القوي الضعيف وتضيع الاقليات وسط ميز الأغلبية. وهنا لا أطمح لفتح جرح هذا الداء العضال وطنيا وهناك شواهد على عنصرية الدولة والمجتمع ضد ذوي البشرة السمراء وما صاحب ذلك من حشرهم في زاوية الإقصاء من الحكومة أو تحمل مسؤوليات سامية. كذلك لنا شواهد مع ما يحصل للأمازيغ كمكون ثقافي جرى تغليب حق الأغلبية عليه وما رادف ذلك من عنصرية ممؤسسة داخل إداراة الدولة وقوانينها.

لكن الأخطر من ما فرط ذكره وجرى بحثه هو ما يجري بالصحراء، هذه الاخيرة التي ظلت ولازالت منبع الخير كله ومنبع الشر كله كذلك. ولكي لا أغوص خارج السرب وأطارد السراب وأبحث في غيوم طوباوية تتحرى مجاملة المخزن، فسأبني بحثي هذا على شواهد من ما ألزمت به الدولة المغربية نفسها وسط قوانين المنتظم الدولي وتشريعات الأمم التي يجمع العالم أنها أفضل ما سنه العقل البشري في الميدان التشريعي. ولذلك ودرءا للألسن التي ترى الوطن في ملكية “أبوها” بمجرد فتح موضوع يلامس مصالحهم لترفع راجمات التهم والعمالة “بالإنفصال”، فقد إستفتحت مقالي هذا بالمعاهدة الدولية للقضاء على التمييز العنصري والتي بالمناسبة قد وقعها المغرب في 18 من شتنبر سنة 1967 وصادق عليها في 18 دجنبر 1970. لتتبعه الحكومة المغربية بتاريخ 19 أكتوبر 2006 بإعلان بموجب المادة 14 من المعاهدة تعترف فيه بإختصاص اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري. وهو أمر يتيح لضحايا الميز العنصري متابعة الدولة أمام آلية هامة من الآليات الدولية المتخصصة في هذه الجريمة الخطيرة.

ولكي لا نسبح طويلا في التشريع ونتغاضى عن موجبات ذكره فسأحيلكم على شذرات من واقع مدينتي الداخلة التي بلغ فيها الميز العنصري ضد الصحراويين خصوصا مبلغا خطيرا لم يعد للعرق “البيظاني” معه حق في مواطنة مكتملة الأضلاع في ظل سياسة رسمية أرخت سدولها مجتمعيا لتتحول لثقافة شعبية وسط باقي المغاربة من غير الصحراويين. وهنا لا يكفي الإستدلال بتقرير بان كي مون الاخير الذي تحدث بالفم المليئ عن تمييز مقصود ضد الساكنة الصحراوية في الجوانب الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، فقد يبدو الأمر إستدلال غير منصف كما سيراه أصحاب “العام زين” وما جاورهم من أحباب اللون “الوردي” لذلك سنكتفي بالجانب الإقتصادي الذي يعد جزءا لا يتجزء من مقومات الكرامة الإنسانية. وهنا أحيلكم على التقرير الدولي الذي أعدته المقررة الخاصة بالغذاء والتي زارت المغرب قبل أشهر والداخلة خصوصا لتستشف حسب تعبيرها “التجويع” المقصود الذي يطال الصحراويين  في الأقاليم الصحراوية وهو إنعكاس حسب قولها لسياسة تمييز عنصري تطالهم في ميدان التشغيل والتوزيع العادل للثروات. وهنا يحذونا الامل في أن لا يطلع علينا قرن تلك الزمرة “المتمغربة” بالوراثة لتتهمنا “بالإنفصال” لمجرد أن التقرير المذكور لا يحابي خطابها المصنوع على مقاسات الأجهزة الأمنية والمحاط بهالة من الأكاذيب والأرقام المهولة العارية عن الصحة.

إن التشغيل كرافدة من روافد التنمية الإقتصادية يضمن كرامة الفرد داخل وطنه، لم يعد مسموحا به اليوم للناطقين “بالحسانية” وسط مدينة كالداخلة. ببساطة لأن هناك من قرر قذف العرق الأسمر في بوتقة المجهول وأختار جلب “الامازيغي والريفي والاوروبي” ليكون سباقا في طريق الكرامة. ولعل من أخطر حقوق “النقض” أو “الفيتو” في هذه القضية هو القول أن المغاربة متساوون كأسنان المشط من طنجة الى لكويرة وكل شاذ عن الجماعة ضال عن منهاج “المواطنة”.

إن الحديث عن الحقوق بصيغتها العالمية هو حديث غير قابل للتجزيئ والحديث عن المساواة كذلك حديث غير قابل للتقطيع والتقسيم. فلما يتم إعتماد القسمة بمجرد الحديث عن حق الصحراويين في الأسبقية داخل جهاتهم ؟ ومن يضمن للصحراويين أسبقية الفرص وسط مدن سوس والريف وغيرها ؟..

أسئلة يجيب عنها التفريع من الرسمي الى الشعبي وهنا سنجد أن الأمر تحول من سياسة رسمية الى ثقافة شعبية تجد إنعكاساتها وسط المعامل والإداراة التي يديرها مغاربة من أعراق أخرى. وأكبر مثال على هذا التفريع ما يقع بمعالم التصبير التابعة لمستثمرين مغاربة من خارج حدود الداخلة. فلو أخذنا على سبيل المثال ما أقدم عليه مدير مجموعة “الزبدي” من سياسات عنصرية تسير وفق معاملة دونية لكل الناطقين بالحسانية سنجد أن أمثاله هم السبب الرئيسي فيما جاء على لسان بان كي مون وما أعترفت به المقررة الخاصة بالغذاء وكذا ما أصدرته وستصدره عديد المنظمات الحقوقية الدولية في هذا الصدد. فالمدير المذكور يحمل حقدا عنصريا ضد العرق “الصحراوي” بما هو مكون ثقافي مختلف وليس بما يدعي من كون الكفاءة والتقاعس في تأدية العمل هو السبب. وهنا تستحضرني الذاكرة لشرط كان قد طرحه علينا هذا المدير في يوم من الأيام وذلك عبر إشتراطه على المرأة الصحراوية التخلي عن زيها التقليدي ليقبل وجودها داخل معامله.

شركة اخرى تفجرت وسطها جريمة “التمييز العنصري” بشكل ينذر بالخطر. “Atuneros del sur” التي يستغل مديرها “الريفي” إصطفاف بعض “المرتزقة” الصحراويين في صف حقده الدفين ضد الناطقين بالحسانية ليصفي حساباته مع عامل صحراوي من ساكنة الداخلة كانت جريدتنا السباقة لذكر تفاصيل قضيته. ورغم أن المادة 9 من مدونة الشغل الوطنية تنص بصريح العبارة على أنه: “يمنع كل تمييز بين الأجراء من حيث السلالة، أو اللون، أو الجنس، أو الإعاقة، أو الحالة الزوجية، أو العقيدة، أو الرأي السياسي، أو الانتماء النقابي، أو الأصل الوطني، أو الأصل الاجتماعي، يكون من شأنه خرق أو تحريف مبدأ تكافئ الفرص، أو عدم المعاملة بالمثل في مجال التشغيل أو تعاطي مهنة، لاسيما فيما يتعلق بالاستخدام، وإدارة الشغل وتوزيعه، والتكوين المهني، والأجر، والترقية، والاستفادة من الامتيازات الاجتماعية، والتدابير التأديبية، والفصل من الشغل.”. إلا أنه في غياب أي رادع لأمثال هذا الرجل جعله يواصل الزحف على حقوق الساكنة الصحراوية التي تفترس شبابها البطالة ويقضم جشع “المتطرفين” من الأعراق الاخرى التي تقاسمنا مواطنة هذا البلد خيراتها. ليكمل الرجل أصوليته قبل أيام حين أخبر مجموعة شبابية طامحة للكد من عرق جبينها بأنهم لن يحصلوا منه على سمكة حتى “يلج السمك من أنف الجمل” ..

نظائر عديدة لجريمة التمييز العنصري بالصحراء تستعر في صمت وتحجب بشاعتها بعض الوجوه الصحراوية المرتزقة التي تكتري ألسنتها للدفاع عن زعماء “الابرتايد” الإستثماري بالمدينة. وفي ظل غياب تدخل الدولة وصمت المسؤولين لازالت الاليات الدولية بأصنافها تضرب المغرب في تقاريرها الحقوقية. ولا أدل على ذلك من كون اللجنة المعنية بالتمييز العنصري ستضع بعد أيام في أجندتها مناقشة وضعية الصحراء وتفشي الجريمة داخلها. “فكها يا اللي وحلتيها”..

ولنا عودة قريبا مع أوجه قبيحة من جريمة خطيرة بات السكوت عنها ضربا من الشيطنة وصمتا عن منكر أوضح قرص الشمس..

شاهد أيضا