الداخلة نيوز: محمد سالم الزاوي
“سوف لن تجد في هذه المدينة من يحرص عليها، أو يريد بقاءها، لأنها ولدت في غير مكانها وفي غير زمانها، حتى الذين بنوها سوف يتخلون عنها، لأنهم لم يتصوروها بهذا القبح وهذا العداء….الوطن وهم كبير وتكفيني الاوهام التي عشتها في هذه الحياة ” عبد الرحمن منيف.
كم كنا سنكون محظوظين في هذه البيداء المرتدية لباس الحضرية لو أن بيننا اليوم روائيا من طينة عبد الرحمن منيف لعله بذلك يغير عنوان روايته الشهيرة على إيقاع الصحراء فتتحول مدن الملح لمدن الرمل فتحكي لنا جزءا من تراجيديا البداوة المقنعة خلف العصرنة التي يتبدى كل يوم أنها تقنع الحالمين المتشوقين لحياة كريمة ، وعادة ما يستفيقون من احلامهم عندما يتعدون حدود الصحراء شمالا لكن تخذير البداوة الفكرية يرغمهم على العودة الى الحلم القديم ولزوم سرير الخمول والخنوع كلما عادوا أدراجهم الى قطعانهم ورعاتهم.
في الصحراء حيث لا تتطور إلا الأرقام ومعدلات التنمية على الورق والتي يحسبنا بفضلها المواطن المغربي في الشمال شعب الله المختار وصفوة خلقه الذي يفترش اللؤلؤ المكنون ويرتشف العسل المصفى في أواني الذهب والفضة. فما نلفي من مفازة تلك النظرة إلا تأشيرة التوصيف المعتاد “لصحراوة الخنز” وحنق المغاربة على تمردنا الدائم على الدولة لكرهنا لنعمائها وأفضالها الجزيلة. لكن دون أن يكلف أحد من هؤلاء نفسه زيارة هذه المدافن المتمدنة. وعندما نقول المواطن المغربي فلا غرو في ذلك مادامت الدولة توفر له كمواطن حقا وصدقا الطرق السيارة السريعة ونحن الذين نجتاز كل يوم أنصاف الطرق فمنا من يصل ومنا من تأكله الطريق ، ثم توفر له البنيات التحتية والمؤسسات وتوفر له الخدمات ومشتقاتها ويكفي للبيب أن يلاحظ ذلك وهو يقطع المغرب في حافلة وحبذا لو ينطلق من مدينة الداخلة حتى تكون خاتمتها مسك وإلا فإنه سينسى كل راحة عاشها في حياته يوما وهو يركب الحافلة “المخصصة للصحراء” ، فهل يعقل أن مدينة كأكادير مثلا دمرها الزلزال عن آخرها تبنى وتؤثث في وقت قياسي رغم قلة الموارد وقساوة الظروف الإقتصادية السائدة آنذاك في ستينيات القرن الماضي ، بينما مدن الصحراء تبقى رهينة العقلية المزدوجة للمغرب وكأنها إبنته بالتبني فمهما حاول إظهار الأمومة نحوها تبقى إبنة ليست من الصلب ولا في صلب الاهتمام الحقيقي رغم أن الربيبة حباها الله ببركة في عيونها ومعدن طينتها ، إنها لعنة القدر ولعنة التاريخ ولعنة الحاضر ولعنة المستقبل ، أن يعيش الانسان حالة من الانفصام ولد بها وعاش بها وكأنها من الفطرة “.
ونحن هنا إذ نفتح جرحا غائرا اليوم في علاقتنا بالوطن لا نخاطب في ذلك العوام المنساقين خلف أفيون الإعلام الوطني الذي أزكم مسامعنا بخطابات الوحدة والتحريض على شواذ الإنفصال كما هو حال قنوات الدربكة المخزنية المدفوعة الثمن من ضرائب المواطنين. بقدر ما نخاطب النخب المغربية بكافة تلاوينها من صحفيين وأساتذة جامعيين ومسؤولين حكوميين يغردون خارج السرب وكأن جنوب المغرب وشماله متساوون في الحقوق كأسنان المشط. لذلك أدعوهم الى العيش أسبوعا مع الشريحة الغالبة هنا لا أن ينتقلوا إليها من المطار في سيارة مكيفة ويتجهون بعدها الى فيلا او فندق على البحر لأحد سماسرة الشعوب. فيقيم ندواته على إيقاع دروس الشوطوكان و”التشباح” ليعلمنا فنون المواطنة التي لازلنا نسمع بها فقط. ثم يختمها بمعية شركائه في المواطنة من من إبتلانا الله بهم في هذه المدن ليوزعوا صكوك الإنفصال على الراغبين في الإزعاج. إنفصال لا يتعدى في علم المخزنية حدود السياسة ومفارقاتها دون أن يحاول فك طلاسم الإنفصال الذي يتعايش معنا إجتماعيا وإقتصاديا وحتى ثقافيا. فمتى قبلت وحدتنا في الحق في العمل والصحة الجيدة والتعليم المتميز والبنى التحتية اللائقة حتى نقبل وحدة سياسية تفرض بسياط الهراوة و”الفعفعة الأمنية”. مدن الرمل الجامد التي نعيشها اليوم لا تليق كما كانت دوما إلا بعصر القوافل البدوية التي يراد لنا أستحضارها دون العودة بها في رحال الذاكرة. فقد نتهم حتى عند إستحضار نوستالجيا الماضي بالإنفصال. فالذاكرة لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة، إذ بمقدار ماتتيح له سفراً دائماً نحو الحرية، فإنها تصبح سجنه الذي يرتاده في المستقبل. فما الذي يراد لنا أن نكونه وسط هذه المقابر الجماعية الغابرة في القروسطية. ربما هو عبور المرحلة الذي عودنا فيه المغرب على إلباسنا حقوق المواطنة والتشاركية فكلما تكالبنا أمواجا مموجة على التلبية في المناسبات الإنتخابية بحثا عن سراب نعرف سلفا انه ليس بالماء ، لنعود بعد كل مناسبة الى الحالة الاولى مع بعض التشتت الذي قد يصل احيانا للشمل العائلي. ونعود بعد كل استعمال مخزني مخزي لنعاشر اليأس معاشرة حسنة . فنسقط تكرارا وبإلحاح عنيد ضحية العبث البوليتيكي الحاقد على سمرتنا المتأصلة في قفار التمدن ولعنة التاريخ والجغرافيا. هذه الاخيرة التي تتوعدنا عند أخف حبيبات المطر. فمدن الرمل دوما مهما بلغت من الإرتفاع والكبر إذا أتاها عارض من الماء تصبح في خبر كان.
اليوم ترى مدن الرمل خاوية على عروشها من التنمية وما يناسبها في مدن الشمال عدى من ميترو الوحدات الأمنية المتجولة. فالمستشفيات تغتالنا كما المدارس والمعاهد والطرقات والبنى التحتية. الكل يغتالنا بإسم المواطنة ويقهرنا لتقبيل اليد التي تغتال. ولك أن ترى تركيع الناس لبيعة الإغتيال في بلدية الداخلة. وفي ذلك عبرة لو تفكر ذوو العقول على قلتهم بيننا.
لاشئ اليوم يوحي كساكنة لهذه الكثبان المتمدنة أننا ننفع في علم نافع او أدب شافع. فالبدوي دوما من فرط تعلقه بتلك السعة التي تسعها الصحراء لم تعد تسعه حدود التكبيل المخزنية. ولأن العقول وحدها من تبني الأوطان فنحن نبقى في النهاية رعاة للأغنام والإبل لا نلائم الوزارات ولا القنصليات ولا حتى المندوبيات. لذلك لم يعد يراوضنا الأمل في أن نتساوى مع شركاء الوطن من أصحاب البذلة والكرفاتة الذين يسيرون مستقبلنا على مقاساتهم العصرية. وحياتهم التي أعتادوها في مدن الجودة العالية بالشمال. لنبقى متمسكين بحبل البقاء والرجاء في إنتظار عيد أبريل. فأجمل وقت للهوى أبريل كما عودتنا الصحراء دوما. لأن به فصل ربيع الحقوق المنتزعة من الدولة. وبه ينعم المغاربة جميعا بتنازلات السلطة عن حقوق يتعذبون من أجلها أمام قباب البرلمان على طول السنة فلا يجدون منها إلا الآلام. ولست هنا بصدد المنة على من يعتبرون أنفسهم هم الوطن وغيرهم هامش تحت سطور المواطنة. لكن لنذكرهم بالوقوف تبجيلا للصحراء مادامت هي من تمنحهم الديمقراطية التي يتبجحون بها في وقت يستكثرون عليها أبسط الحقوق ونسمات الدمقرطة التي يقفون دونها في معبر “كني مغار”.
لا يخيل لي وأنا أبن هذه الربوع الرملية الشاسعة أن مدننا مصدر جذب لمن يوصفون في فكر المغربي “فرست كلاس” بالمرتزقة والمحتجزين بمخيمات تندوف. بقدر ماهي مصدر طرد حتى لمن تعايشوا مع عذابها سنين طوال. فحتى أخدام اليمن يملكون حقوقا أكثر من أهلها على الأقل هم متساوون في الإنتهاكات والحرمان. على عكس مداشرنا الصحراوية التي يمتص دمائها دبابير سمينة من صنف الأعيان وأثرياء الحرب وما تبقى من شعبها يعيش تحت خط الكرامة في أنتظار فصول أبريل. فمشكلتنا في هذا الوطن أن المسؤول به كما العامي من مغاربة الشمال لا ينظرون للصحراء إلا من منظار تلك الأسر التي تعيش بيننا موسميا وتغادرنا عندما تقضي حاجتها لتستقر في مدن المغرب النافع. لذلك مادام المغرب يعاملنا وفق قياسات تلك الشرذمة المتنعمة. فنحن بدورنا سنعامله وفق أحكام أبريل وسخونته.
ختاما لا يجب أن ينخدع أحد بما يراه على السطح، فالصحراء أعمق مما يبدو، وأخطر مما يفترض الكثيرون، لأن مايعتمل في نفس البدوي من التاريخ والتقاليد والأساطير بمقدار ما يتقوى من الداخل على الكفاح والمقاومة. لذلك ننصح من يتعامل معنا بعقلية التمدن بأننا لم نبرح عيش البداوة يوما. وليس في ذلك ما يخجلنا لان الخيمة ظلت وستبقى بيت كرامتنا. وحين يكون البديل عنها هي مدن الرمل، فسنقف في إنتظار قطار أبريل ليوصلنا لمدن نافعة يستخسرها علينا من يقاسمونا رقعة الوطن.

